القرطبي
47
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به ، وإن قوله : " إنه ليس من أهلك " ليس مما ينفي عنه أنه ابنه . وقوله : " فخانتاهما " [ التحريم : 10 ] يعني في الدين لا في الفراش ، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون ، وذلك أنها قالت له : أما ينصرك ربك ؟ فقال لها : نعم . قالت : فمتى ؟ قال : إذا فار التنور ، فخرجت تقول لقومها : يا قوم والله إنه لمجنون ، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التنور ، فهذه خيانتها . وخيانة الأخرى أنها كانت تدل على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله . والله أعلم . وقيل : الولد قد يسمى عملا كما يسمى كسبا ، كما في الخبر " أولادكم من كسبكم " . ذكره القشيري . الثالثة - في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين . وروي أن ابن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطاه ، قال : فعلم مالك أنه قد فهمه الناس ، فقال مالك : الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات ، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات . وفيها أيضا دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعا ، ومن أهل البيت ، فمن وصى لأهله دخل في ذلك ابنه ، ومن تضمنه منزله ، وهو في عياله . وقال تعالى في آية أخرى : " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون . ونجيناه وأهله من الكرب العظيم " ( 1 ) [ الصافات : 75 ] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله . الرابعة - ودلت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما : أن الولد للفراش ، ولذلك قال نوح ما قال آخذا بظاهر الفراش . وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول : نرى رسول الله صلى عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل ابن نوح عليه السلام ، ذكره أبو عمر في كتاب " التمهيد " . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " يريد الخيبة . وقيل : الرجم بالحجارة . وقرأ عروة بن الزبير . " ونادى نوح ابنها " يريد ابن امرأته ، وهي تفسير القراءة المتقدمة عنه ، وعن علي رضي الله عنه ، وهي حجة للحسن ومجاهد ، إلا أنها قراءة شاذة ، فلا نترك المتفق عليها لها . والله أعلم .
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 89 .